العيني

172

عمدة القاري

فقال المشركون : قد ودع محمد ، فأنزل الله تبارك وتعالى : * ( ما ودعك ربك وما قلى ) * ( الضحى : 3 ) . وروى الواحدي من حديث هشام ابن عروة عن أبيه : ( أبطأ جبريل على النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فجزع جزعا شديدا فقالت خديجة ، رضي الله تعالى عنها : قد قلاك ربك لما يرى من جزعك ، فنزلت السورة ) . وروى الحاكم من حديث عبد الله بن موسى أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق ( عن زيد بن أرقم : لما نزلت * ( تبت ) * جاءت امرأة أبي لهب فقالت : يا محمد على ما تهجوني ؟ فقال : ما هجوتك ، ما هجاك إلاّ الله ، ومكث رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أياما لا ينزل عليه وحي ، فأتته فقالت : يا محمد ما أرى صاحبك إلاّ قد قلاك ؟ فنزلت السورة ) . وفي ( تفسير ابن عباس ) رواية إسماعيل بن أبي زياد الشامي : ( أبطأ الوحي عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أربعين يوما فقال كعب بن الأشرف : قد أطفأ الله نور محمد وانقطع الوحي عنه ، فهبط جبريل ، عليه الصلاة والسلام ، بعد الأربعين يوما فقال النبي ، صلى الله عليه وسلم : ما أبطأك عني فنزلت : * ( وما نتنزل إلاّ بأمر ربك ) * ( مريم : 46 ) . وأنزل سورة الضحى وتكذيبا لكعب : * ( يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ) * ( الصف : 8 ) . وفي ( المعاني ) للفراء و ( الإيضاح ) تفسير القرآن لأبي القاسم إسماعيل بن محمد الجوزي : قيل ( سبب نزولها أن الوحي كان تأخر خمسة عشر يوما فتكلم الكفار ) الحديث . وزعم ابن إسحاق أن سبب تأخير جبريل ، عليه الصلاة والسلام ، أن المشركين لما سألوه عن ذي القرنين والروح وعدهم بالجواب إلى غد ، ولم يستثن ، فنزل عليه بعد بطئه سورة الضحى ، وبجواب سؤاله . قوله : * ( ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلاّ أن يشاء الله ) * ( الكهف : 32 ) . قال الواحدي : وعن خولة خادمة النبي صلى الله عليه وسلم : ( أن جروا دخل تحت السرير ، فمكث النبي صلى الله عليه وسلم أياما لا ينزل عليه الوحي ، فقال : يا خولة ما حدث في بيتي ؟ جبريل لا يأتيني ؟ قالت خولة : فقلت لو هيأت البيت وكنسته ، قالت : فأهويت بالمكنسة تحت السرير فإذا شيء ثقيل ، فإذا هو جرو ميت ، فألقيته خلف الجدار . قالت : فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يرعد فقال : يا خولة دثريني فأنزل الله تعالى : * ( والضحى والليل ) * ( الضحى : 1 و 2 ) . زاد ابن إسحاق : فقال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل ، عليه الصلاة والسلام : ما أخرك ؟ فقال : أما علمت أنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة ؟ وفي ( تفسير النسفي ) قال ابن جرير : قال المشركون : أن محمدا ودعه ربه وقلاه ، ولو كان امره من الله لتتابع عليه كما كان يفعل بمن كان قبله من الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، وقال المسلمون : يا رسول الله أما ينزل عليك الوحي ؟ فقال : وكيف ينزل علي الوحي وأنتم لا تنتقون براجمكم ولا تقلمون أظافركم ؟ فأنزل الله تعالى ، جبريل ، عليه الصلاة والسلام ، بهذه السورة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا جبريل ما جئت حتى اشتقت إليك ! فقال جبريل ، عليه الصلاة والسلام : وأنا كنت أشد شوقا ، ولكني عبد مأمور * ( وما نتنزل إلا بأمر ربك ) * ( مريم : 46 ) [ / ح . ثم الكلام في هذا الباب على أنواع . الأول : أن اشتكاء النبي صلى الله عليه وسلم لم يبين في شيء من طرق هذا الحديث ، قيل : وظن بعض الشراح أن الذي وقع في رواية الترمذي من طريق ابن عيينة من الحديث ، وقد ذكرناه عن قريب : هو بيان للشكاية المجملة في الصحيح ، وليس كما ظن ، فءن في طريق عبد الله بن شداد التي يأتي التنبيه عليها أن نزول هذه السورة كان في أوائل البعثة ، وجندب لم يصحب النبي صلى الله عليه وسلم إلاّ متأخرا ، حكاه البغوي في ( معجم الصحابة ) عن الإمام أحمد ، ويقال : يحتمل أن يكون سبب الشكاية بطء الوحي . الثاني : أن هذه المرأة المذكورة في الأحاديث المذكورة مختلف فيها ، ففي رواية الحاكم : امرأة أبي لهب ، وهي أم جميل العوراء بنت حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ، وهي أخت أبي سفيان بن حرب ، وقيل : امرأة من أهله أو من قومه . قلت : لا شك أن أم جميلة من قومه لأنها من بني عبد مناف ، وفي رواية سنيد بن داود : إنها عائشة ، وقد غلط سنيد فيه ، وفي رواية الطبري عن أبي كريب عن وكيع ، فقال فيه : قالت خديجة . وكذلك أخرجه ابن أبي حاتم ، وقد أنكر ذلك ، لأن خديجة قوية الإيمان فلا يليق نسبة هذا القول إليها وإن كان رواه إسماعيل القاضي في ( أحكامه ) بإسناد صحيح ، وكذلك رواه الطبري في ( تفسيره ) وأبو داود في ( أعلام النبوة ) له ، كلهم من طريق عبد الله بن شداد بن الهاد ، ومع هذا ليس في رواية واحد منهم أنها عبرت بقولها : شيطانك ، وهذه لفظة مستنكرة جدا ، وزعم أبو عبد الله محمد بن علي بن عسكر أن القائلة ذاك إحدى عماته صلى الله عليه وسلم ، ثم الظاهر أن المرأة التي قالت : يا محمد ! ما أرى شيطانك إلاّ قد تركك ؟ ير المرأة التي قالت : ما أرى صاحبك إلاّ قد أبطأ عنك ؟ لأن هذه قالت : يا رسول الله ، وتلك قالت : يا محمد ، والتي قالت : شيطانك قالت تهكما وشماتة ، والتي قالت : صاحبك ، قالت تأسفا وتوجعا . الثالث : أن مدة بطء الوحي اختلف فيها ، فقيل : أربعون يوما ، كما ذكر